ابن الجوزي

73

المنتظم في تاريخ الأمم والملوك

بالري ، فأمره أن يأخذه بالحفظ لأيام العرب ومكارم أخلاقها ودراسة أخبارها [ 1 ] وقراءة أشعارها ، فقال له المهدي ذات ليلة : يا شرقي ، مرح قلبي [ الليلة ] [ 2 ] بشيء يلهيه ، قال : نعم ، أصلح الله الأمير ، ذكروا أنه كان في ملوك / الحيرة ملك له نديمان قد نزلا من قلبه منزلة نفيسة ، وكانا لا يفارقانه في لهوه وبأسه ، ويقظته ومنامه [ 3 ] ، وكان لا يقطع أمرا دونهما ، ولا يصدر إلا عن رأيهما ، فغبر بذلك دهرا طويلا . فبينما هو ذات ليلة في شغله ولهوه ، إذ غلب عليه الشراب فأثر فيه تأثيرا أزال عقله ، فدعا بسيفه فانتضاه وشدّ عليهما فقتلهما ، وغلبته عيناه فنام ، فلما أصبح سأل عنهما فأخبر بما كان منه ، فأكب على الأرض عاضا عليها [ 4 ] تأسفا عليهما وجزعا لفراقهما ، فامتنع من الطعام والشراب وتسلب عليهما ثم حلف ألا [ 5 ] يشرب شرابا يخرج عقله ما عاش ، فواراهما وبنى على قبريهما الغرنين ، وسنّ أن لا يمر بهما أحد من الملك فمن دونه إلَّا سجد لهما . قال : وكان إذا سنّ الملك سنّة توارثوها وأحيوا ذكرها ، وأوصى بها الآباء أعقابهم . قال : فغبر الناس بذلك دهرا طويلا لا يمر بقبرهما أحد [ 6 ] صغيرا ولا كبيرا إلا سجد لهما ، فصار ذلك سنة لازمة ، وأمرا كالشريعة والفريضة ، وحكم في من أبى أن يسجد لهما بالقتل بعد أن يحكم في خصلتين يجاب إليهما كائنا ما كانتا . قال : فمرّ يوما قصّار [ 7 ] ومعه كارة ثيابه ، وفيها مدقته ، فقال الموكلون بالقبر للقصّار : اسجد ! فأبى أن يفعل ، فقالوا : إنك مقتول إن لم تسجد ، فأبى ، فرفع إلى الملك وأخبر بقصته . فقال : ما منعك أن تسجد ؟ فقال : قد سجدت ، ولكن كذبوا

--> [ 1 ] « أخبارها » سقطت من ت . [ 2 ] ما بين المعقوفتين : سقط من الأصل . [ 3 ] في ت : « ومنامه ويقظته » . [ 4 ] في الأصل : « عاضا عليهما » . [ 5 ] في الأصل : « حلف لا » . [ 6 ] في الأصل : أحدا . [ 7 ] القصّار : هو الَّذي يقصر الثياب ، وهي حرفة اختص بها أهل خوارزم وآمل وطبرستان ( الأنساب 10 / 165 ) .